ابن كثير
195
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )
حديث آخر في معناه . قال الطبراني : حدثنا محمد بن علي المروزي ، حدثنا أبو الدرداء عبد العزيز بن منيب ، حدثنا إسحاق بن عبد اللّه بن كيسان ، عن أبيه عن عكرمة عن ابن عباس أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم لما أقبل من غزوة تبوك واعتمر ، فلما هبط من ثنية عسفان أمر أصحابه أن استندوا إلى العقبة حتى أرجع إليكم ، فذهب فنزل على قبر أمه فناجى ربه طويلا ، ثم إنه بكى فاشتد بكاؤه وبكى هؤلاء لبكائه ، وقالوا ما بكى نبي اللّه بهذا المكان إلا وقد أحدث اللّه في أمته شيئا لا تطيقه ، فلما بكى هؤلاء قام فرجع إليهم فقال : « ما يبكيكم ؟ » قالوا يا نبي اللّه بكينا لبكائك ، فقلنا لعله أحدث في أمتك شيء لا تطيقه ، قال : « لا ، وقد كان بعضه ، ولكن نزلت على قبر أمي فسألت اللّه أن يأذن لي في شفاعتها يوم القيامة فأبى اللّه أن يأذن لي فرحمتها وهي أمي فبكيت ، ثم جاءني جبريل فقال : وَما كانَ اسْتِغْفارُ إِبْراهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَها إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ فتبرأ أنت من أمك كما تبرأ إبراهيم من أبيه ، فرحمتها وهي أمي ودعوت ربي أن يرفع عن أمتي أربعا فرفع عنهم اثنتين وأبي أن يرفع عنهم اثنتين ، ودعوت ربي أن يرفع عنهم الرجم من السماء والغرق من الأرض وأن لا يلبسهم شيعا وأن لا يذيق بعضهم بأس بعض ، فرفع اللّه عنهم الرجم من السماء والغرق من الأرض وأبى اللّه أن يرفع عنهم القتل والهرج » وإنما عدل إلى قبر أمه لأنها كانت مدفونة تحت كداء وكانت عسفان لهم « 1 » ، وهذا حديث غريب وسياق عجيب . وأغرب منه وأشد نكارة ما رواه الخطيب البغدادي في كتاب السابق واللاحق بسند مجهول عن عائشة في حديث فيه قصة ، أن اللّه أحيا أمه فآمنت ثم عادت ، وكذلك ما رواه السهيلي في الروض بسند فيه جماعة مجهولون : إن اللّه أحيا له أباه وأمه فآمنا به . وقد قال الحافظ ابن دحية في هذا الاستدلال ، بما حاصله أن هذه حياة جديدة كما رجعت الشمس بعد غيبوبتها ، فصلى علي العصر ، قال الطحاوي : وهو حديث ثابت يعني حديث الشمس ، قال القرطبي : فليس إحياؤهما يمتنع عقلا ولا شرعا ، قال وقد سمعت أن اللّه أحيا عمه أبا طالب فآمن به ، ( قلت ) وهذا كله متوقف على صحة الحديث فإذا صح فلا مانع منه ، واللّه أعلم . وقال العوفي عن ابن عباس في قوله : ما كانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ الآية ، أن النبي صلى اللّه عليه وسلم أراد أن يستغفر لأمه فنهاه اللّه عز وجل عن ذلك ، فقال « إن إبراهيم خليل اللّه قد استغفر لأبيه » فأنزل اللّه وَما كانَ اسْتِغْفارُ إِبْراهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَها إِيَّاهُ « 2 » الآية ، وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في هذه الآية ، كانوا يستغفرون لهم حتى نزلت هذه الآية ، فأمسكوا عن الاستغفار لأمواتهم ولم ينهوا أن يستغفروا للأحياء حتى يموتوا ، ثم
--> ( 1 ) انظر الدر المنثور 3 / 506 ، 507 ، وأضاف : وبها ولد النبي صلى اللّه عليه وسلم . ( 2 ) انظر تفسير الطبري 6 / 489 .